الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

326

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المنحرف الذي كنت فيه ، فلولا لطف الله الذي منعني من ذلك ونعمته التي سارعت لمساعدتي ، لكنت اليوم من المحضرين للعذاب مثلك في نار جهنم ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين . فالتوفيق الإلهي كان رفيق دربي ، ولطف هدايته كان الموجه لي . وهنا يلقي نظرة أخرى إلى صديقه في جهنم ، ويقول له موبخا إياه : ألم تكن أنت القائل لي في الدنيا بأننا لا نموت أفما نحن بميتين سوى مرة واحدة في الدنيا ، وبعدها لا حياة أخرى ولا عذاب إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين . الآن انظر ولاحظ الخطأ الكبير الذي وقعت فيه ! فبعد الموت كانت هذه الحياة وهكذا ثواب وعقاب ، والآن توضحت لك كافة الحقائق ، ولكن ما الفائدة فليس هناك طريق للعودة . طبقا لتفسير الآيتين الأخيرتين ، فإن حديث الذي هو في الجنة مع صديقه الذي في جهنم ، كان مركزا على تذكيره بإنكاره للمعاد في الحياة الدنيا . لكن بعض المفسرين يحتملون وجود تفسير آخر للآيتين المذكورتين ، وهو أنه بعد انتهاء حديث الذي هو في الجنة مع صديقه الذي في جهنم ، يعود إلى أصحابه في الجنة للتسامر فيما بينهم ، فيقول أحدهم من شدة الفرح : أحقا أننا لن نموت مرة أخرى ؟ وأننا سنعيش هنا خالدين ؟ وهل أنه بعد الموت الأول لا يوجد موت آخر ، وتبقى هذه النعم الإلهية معنا ، وما نحن بمعذبين ؟ بالطبع هذا الكلام ليس مصدره الشك والتردد ، إنما هو نتيجة شدة الفرح والسرور ، فمثلهم كمثل الإنسان الذي يحصل بعد مدة من الأمل والانتظار على بيت واسع وفخم ، فيقول وهو متعجب : كل هذا لي ؟ يا ربي ! ما هذه النعمة ! وهل ستبقى عندي ؟ على كل حال ، هنا اختتم الحديث بجملة عميقة المعاني وحساسة ومؤثرة جدا ، ومؤكدة بأنواع التأكيدات إن هذا لهو الفوز العظيم .